الفصل1: |الذي يتذكر|
لم أكن أعرف أن الموتى يتركون آثارًا في الهواء..
وقفت عند حافة الغابة، حيث تنتهي بلاكريدج وتبدأ المنطقة التي لا يتحدث عنها أحد إلا همسًا. الثلج يتساقط بثقل غريب، والبرد يتسلل عبر معطفي الصوفي حتى استقر في عظامي. أمامي، الطريق الترابي يتلوى بين الأشجار العارية، مسار باهت تركته عجلات قديمة في تربة متجمدة.
"بيت الغول"، هكذا سمعتهم يسمونه في الحانة الليلة الماضية.
رجل عجوز، شاربه الرمادي مبلل بالبيرة، نظر إلي طويلًا عندما سألت عن المكان.
"لايوجد شيء هناك يستحق ان تذهبي من اجله."
لكنني كنت سأذهب على أي حال.
السيارة المستأجرة اهتزت مع كل حفرة في الطريق، وصوت المحرك بدا فاضحًا في هذا الصمت الكثيف. لا أصوات طيور، لا حفيف أوراق، لا شيء سوى نبضات قلبي التي بدأت تتسارع رغم محاولاتي السيطرة عليها.
توقفت السيارة حيث لم تعد العجلات قادرة على المتابعة. أطفأت المحرك، وفي تلك اللحظة، شعرت بأن العالم كله توقف عن الحركة.
خرجت ببطء، والبرد التف حولي فورًا. الهواء يحمل رائحة غريبة: خشب فاسد، رطوبة عميقة، وشيء آخر... شيء معدني يذكرني بالدم القديم الذي جف وامتزج بالتراب.
أمامي، على بعد مئة متر، رأيت البيت.
لم يكن بيتًا بالمعنى الحقيقي. كان بناءً خشبيًا من طابقين ينهار على نفسه ببطء، جدرانه مائلة بزوايا خاطئة، ونوافذه فارغة لا تعكس حتى ضوء القمر الضئيل. السقف انهار في المنتصف تاركًا فتحة مسننة تشبه فمًا مفتوحًا في صرخة صامتة.
لكن الأغرب من كل ذلك... البيت بدا وكأنه ينتظرني.
بدأت أتقدم نحوه، كل خطوة تتطلب قرارًا واعيًا. الثلج تحت قدمي يصدر صريرًا خافتًا، والأشجار حولي واقفة ساكنة تمامًا، حتى الريح تجنبت هذا المكان.
كلما اقتربت، كلما وضحت التفاصيل المرعبة. الخشب ليس متعفنًا فقط، بل مشوه بطريقة تجعله يبدو محترقًا لكن ليس بنار عادية. بقع داكنة تغطي الجدران، بنية مائلة إلى السواد، منتشرة بنمط يبدو عشوائيًا... لكن كلما نظرت أكثر، كلما شعرت بأن هناك شكلًا يحاول الظهور.
وصلت إلى الدرجات الخشبية المتهالكة. خمس درجات، كل واحدة تبدو وكأنها ستنهار تحت أي وزن. صعدت بحذر شديد، والخشب يئن تحتي بصوت حزين وشاكٍ.
الباب الأمامي معلق بمفصلة واحدة، والفتحة واسعة بما يكفي لأمر منها دون لمسه. وهذا جيد، لأنني لم أكن أريد لمس أي شيء في هذا المكان.
توقفت عند العتبة، أنظر إلى الظلام الكثيف في الداخل. سحبت المصباح من جيبي وأشعلته، والشعاع الأبيض قطع الظلام بشكل حاد، لكنه تقلص بمجرد دخوله البيت.
الداخل مدمر بشكل شامل. الأرضية مغطاة بالحطام، قطع خشب متفحم، بقايا أثاث محطم، زجاج مكسور يتلألأ في ضوء المصباح، وطبقة سميكة من الغبار والرماد تغطي كل شيء.
دخلت ببطء، قدماي تحركان الحطام بحذر. الهواء هنا أكثر كثافة، محمل بتلك الرائحة الغريبة التي شممتها بالخارج، لكنها أقوى، أكثر حضورًا.
حركت شعاع المصباح ببطء. غرفة واسعة تبدو وكأنها كانت صالة، لكن كل شيء فيها مدمر. الجدران مغطاة ببقع داكنة أكثر من الخارج، بقع كبيرة تمتد من الأرض إلى السقف، وفي بعض الأماكن، النمط شعاعي... رُش بقوة، انطلق من نقطة مركزية واصطدم بالجدار.
في أحد الجدران، علامات خدش عميقة. أخاديد عميقة في الخشب، متوازية، تمتد من ارتفاع الصدر حتى الأرض. شيء ما سُحب لأسفل وهو يحاول التشبث.
شعرت بقشعريرة تسري في عمودي الفقري.
في الزاوية البعيدة، بقايا درج يؤدي إلى الطابق العلوي، لكن معظم الدرجات انهارت. وفي الزاوية الأخرى... فتحة في الأرضية. مربعة تقريبًا، بحواف متفحمة، تؤدي إلى ما يبدو قبوًا أو سردابًا تحت الأرض.
شعرت بشيء يشدني نحو تلك الفتحة. ليس فضولًا، بل شيء أعمق... جاذبية لا إرادية تسحبني نحو الظلام تحت الأرض.
حاولت المقاومة، لكن قدماي كانتا تتحركان بالفعل.
وقفت على حافة الفتحة، وجهت شعاع المصباح إلى الأسفل. سلم خشبي قديم يمتد إلى العمق، الدرجات تبدو صلبة بشكل مدهش مقارنة ببقية البيت. الضوء لم يصل إلى القاع، كل ما استطعت رؤيته درجات تنزل إلى ظلام كامل.
بدأت النزول.
كل خطوة حذرة، كل حركة تتطلب تركيزًا. الخشب صلب لكنه بارد، بارد بشكل غير طبيعي. مع كل درجة أنزل، الهواء يصبح أبرد وأكثر رطوبة، والرائحة تصبح أقوى.
بعد خمس عشرة درجة، وصلت إلى القاع.
السرداب صغير، غرفة مستطيلة لا تزيد مساحتها عن خمسة أمتار في ثلاثة، سقف منخفض من الحجر والخشب الخام، جدران من حجر غير مصقول تتساقط منه الرطوبة. الأرضية ترابية، لكن التراب صلب ومضغوط.
حركت شعاع المصباح في أرجاء المكان، وما رأيته جعل دمي يتجمد.
الجدران مغطاة بكتابات ورسومات مجنونة. كلمات مكتوبة بشيء داكن، جف وتحول إلى لون بني داكن مائل للسواد. الكلمات مكررة مئات المرات، بأحجام مختلفة، بعضها كبير ومقروء، وبعضها صغير ومتداخل حتى أصبح كتلة من الحروف غير المفهومة.
اقتربت من الجدار، عيناي تحاولان قراءة ما كُتب:
"إنه قادم"
"لا تنم"
"الغول يرى"
"أطعمناه"
وكلمات أخرى أقل وضوحًا، مشوهة، مكتوبة بيد مرتعشة أو في حالة ذعر مطلق.
بين الكلمات، رسومات بدائية لكن مزعجة. أشكال تبدو بشرية لكن مشوهة، بأطراف طويلة بشكل غير طبيعي، وفكوك مفتوحة بزوايا مستحيلة، وأعين كثيرة منتشرة بشكل عشوائي على الأجساد.
"يا إلهي..." همست، وصوتي ارتد من الجدران الحجرية بطريقة غريبة، مشوهة.
في الوسط، على الأرضية، دائرة محفورة في التراب المضغوط. قطرها حوالي مترين، وداخلها رموز غريبة، ليست من أي لغة أعرفها. هندسية وعضوية في آن، تتشابك وتتقاطع بطريقة تجعل النظر إليها مؤلمًا، صداع خفيف يبدأ خلف عيني.
في وسط الدائرة، بقعة داكنة كبيرة. سوداء تقريبًا، والتربة حولها متصلبة بشكل غريب، شيء بين التراب والصخر.
اقتربت من الدائرة، ركعت على حافتها، حذرة من أن أضع أي جزء مني داخل الحدود المرسومة. وجهت المصباح مباشرة إلى البقعة المركزية.
عظام صغيرة. عظام حيوانات صغيرة، مدفونة جزئيًا في التراب المتصلب. قطع من قماش متهالك وممزق. أشياء أخرى يصعب تمييزها، أشياء عضوية تحللت لكنها تركت آثارًا.
شعرت بحركة في حافة رؤيتي.
استدارت بسرعة، شعاع المصباح يقطع الظلام.
لا شيء.
فقط الجدران الحجرية المغطاة بالكتابات، فقط الظلال التي تتراقص في ضوء المصباح المهتز.
لكنني كنت متأكدة من أنني رأيت شيئًا. أو شعرت بشيء. حضور آخر في هذا المكان.
قلبي يدق بسرعة الآن، والأدرينالين يتدفق في عروقي. حاولت أن أهدئ نفسي، أن أتنفس بعمق، لكن الهواء ثقيل جدًا.
ثم سمعت الصوت.
حفيف خافت، بالكاد مسموع. شيء يتحرك عبر التراب الجاف، أو قماش خشن يُسحب على سطح خشن.
الصوت يأتي من الزاوية البعيدة، الزاوية الأكثر ظلامًا.
وجهت المصباح نحوها، والشعاع كشف عن فتحة في الجدار. ليست كبيرة، بعرض متر وارتفاع نصف متر، حوافها خشنة ومتكسرة. الفتحة تؤدي إلى نفق أو ممر يمتد إلى الداخل، أعمق من هذا السرداب.
الصوت أتى مرة أخرى، أوضح هذه المرة. بالتأكيد يأتي من داخل تلك الفتحة. له إيقاع، نمط... شيء يتحرك بانتظام، يقترب ببطء.
"لا، لا، لا..."
كل خلية في جسدي تصرخ بأن أركض، لكنني بقيت مجمدة، عاجزة عن الحركة. الخوف شلّني، جعل عضلاتي تتصلب.
شعاع المصباح ثابت على تلك الفتحة.
ببطء، ببطء مؤلم، بدأ شيء يظهر من الظلام.
ظل أغمق من الظلام المحيط. شكل غير واضح الحدود. لكن كلما اقترب، كلما وضحت التفاصيل.
شيء يتحرك على أربع، لكن ليس بطريقة حيوان عادي. ملتوية، متقطعة، الجسد لا يتحرك بسلاسة بل ينتقل من وضعية لأخرى بقفزات صغيرة ومزعجة.
الأطراف طويلة بشكل غير طبيعي، رفيعة وعظمية، تنثني بزوايا خاطئة.
الرأس أكبر من الجسد، كروي تقريبًا، خالٍ من الشعر تمامًا. الجلد شاحب بشكل مرضي، رمادي-أبيض، مشدود على العظام حتى أصبحت كل تضاريس الجمجمة مرئية.
الفم واسع جدًا، يمتد من أذن لأذن تقريبًا، مملوء بأسنان غير منتظمة وحادة، متداخلة بطريقة فوضوية، صفراء ومتسخة.
لكن الأكثر رعبًا... العيون.
ستة أعين. ثلاثة على كل جانب من الوجه، مرتبة في خط قطري من الجبهة إلى الخد. أحجام مختلفة، لكنها كلها حمراء. حمراء قانية متوهجة.
وكلها تحدق بي مباشرة.
توقف الشيء عند حافة الفتحة، نصف جسده خارج النفق، ورأسه مائل بزاوية مستحيلة.
فمه فتح ببطء.
الصوت الذي خرج منه لم يكن بشريًا ولا حيوانيًا. شيء بينهما، أعمق وأقدم، له صدى معدني. صوت سمعته في رأسي أكثر من أذني:
"أنتِ... عدتِ..."
الكلمات بطيئة، متقطعة. يتذكر كيف يشكل الحروف.
حاولت أن أتكلم، أن أسأل "ما أنت؟" لكن صوتي لم يخرج. حلقي جاف تمامًا، وكل ما خرج صوت مختنق.
الشيء بدأ يتحرك مرة أخرى، زاحفًا بالكامل خارج النفق. حجمه الحقيقي وضح الآن، طوله يقارب طول إنسان بالغ، لكن الجسد نحيل بشكل مخيف.
تقدم خطوة نحوي.
صوت عظام تحتك ببعضها. مخالب تخدش الحجر.
ثم، فجأة، انفجر الأدرينالين في جسدي وشعرت بقدرتي على الحركة تعود.
استدارت واندفعت نحو السلم، المصباح يتأرجح بجنون في يدي، الضوء يقفز في كل الاتجاهات.
خلفي، صوت حركة سريعة. الشيء يتحرك، لا يركض، بل يتحرك بتلك الطريقة الملتوية، لكن بسرعة رهيبة.
وصلت إلى السلم وبدأت الصعود، قدماي تنزلقان على الدرجات في عجلتي. يدي الحرة تتشبث بأي شيء يمكن أن يساعدني.
"اركضي، اركضي، اركضي!"
عندما وصلت إلى قمة السلم وخرجت إلى الطابق الأرضي، استدارت للحظة.
لا أعرف لماذا. ربما لأتأكد أنه لا يزال يلاحقني. ربما لألقي نظرة أخيرة.
نظرت إلى أسفل السلم.
الشيء واقف عند قاعدة السلم. لا يصعد، لا يتحرك. فقط يقف هناك، الرأس مائل، الأعين الستة الحمراء تحدق بي، والفم مفتوح في شيء قد يكون ابتسامة.
ثم، ببطء شديد، رفع أحد أطرافه الأمامية الطويلة.
ولوّح لي.
لوّح لي وداعًا.
ثم اختفى، تراجع إلى الظلام تحت الأرض بسرعة مفاجئة، تاركًا فقط صدى ذلك الصوت الهامس:
"أنتِ... عدتِ..."
***
ركضت خارج البيت، عبر الطابق المدمر، عبر الباب المعلق، عبر الدرجات المتهالكة، وعبر الثلج نحو السيارة.
قفزت إلى الداخل، أغلقت الأبواب بقوة، وأدرت المحرك بيدين مرتعشتين.
لم أنظر إلى الوراء. لم أنظر إلى البيت مرة أخرى.
فقط قدت بأقصى سرعة عبر ذلك الطريق الملتوي، عبر الغابة المظلمة، بعيدًا عن ذلك المكان الملعون.
***
الآن، بعد ساعات، أجلس في غرفتي بالفندق. الأضواء كلها مشعلة، والباب مقفل مرتين.
لكنني لا أزال أشعر بتلك الأعين الحمراء الستة تحدق بي.
لا أزال أسمع ذلك الصوت الهامس في عمق عقلي:
"أنتِ... عدتِ..."
والأسوأ من كل ذلك... أعرف الآن أن هذا ليس نهاية القصة.
بل مجرد البداية.لأن الشيء في ذلك القبو، الغول، كان يعرفني.. كان يتذكرني، وكان ينتظرني أن أعود.
لكن السؤال الذي يطاردني الآن، السؤال الذي يجعلني غير قادرة على النوم...
متى زرت ذلك المكان من قبل؟...